شَارِعُ الفَنِّ: حِينَ يَسْتَرِدُّ الوَطَنُ وَجْهَهُ المُضِيء

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

للأوطان أعمار تُقاس بالضوء. والمدن التي تصمت شوارعها عن الموسيقى تشيخ باكرًا، حتى لو كانت أبنيتها جديدة. القاهرة التي علّمت العالم كيف يغني الحجر، مرت بسنوات ثقيلة حاولت فيها أصوات خشنة أن تقنعها بأن البهجة خطيئة، وأن الفن كماليات، وأن الشارع للعابرين فقط.

من هذا الجرح ولدت فكرة "شارع الفن". لم تولد في قاعة مكيفة، بل من سؤال موجع: لماذا صار المصري يخجل من الطرب؟ لماذا صارت الأم تخاف أن ترى ابنتها ترقص باليه؟ الإجابة احتاجت فعلًا لا خطبة. احتاجت أن ينزل الفن إلى الناس، لا أن ينتظرهم خلف تذكرة.

هنا التقت ثلاث إرادات. وزارة الثقافة قررت أن تخلع معطفها الرسمي وتمشي على الأسفلت. أكاديمية الفنون برئاسة الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن آمنت أن قاعات الدرس لا تصنع فنانًا وحده. الفنان يولد حين يواجه الجمهور بلا وسيط، حين يسمع تصفيقًا عفويًا من عابر سبيل لم يشتر تذكرة. ومحافظة القاهرة أدركت أن حماية العاصمة لا تكون بالحواجز فقط، بل بإعادة الروح إلى وسط البلد.

مثلث البورصة وشارع الشريفين لم يكونا اختيارًا عشوائيًا. هنا كان مصنع أحلام المصريين. هنا ولدت الأغاني التي حفظها العرب. حين انطفأت أنوار هذه الأماكن، لم تنطفئ مصابيح فقط. انطفأ شيء في روح المدينة. "شارع الفن" ليس حنينًا للماضي، بل استدعاء لوظيفة المكان. هو قول واضح إن وسط البلد ليس ممرًا للسيارات، بل هو قلب. والقلب إذا توقف عن الضخ، مات الجسد كله.

أن تضع بيانو في ميدان، أن تسمح لطالب في الكونسرفتوار أن يعزف تحت الشمس، أن تترك طفلًا يرسم فراشة على وجهه، هذا يبدو بسيطًا. البديع أننا نسيناه. الدكتورة نبيلة حسن حين دفعت بطلابها إلى الشارع، كانت تمنحهم الامتحان الحقيقي الذي لا يوجد في أي لائحة: هل في صوتك ما يجعل سيدة تترك كيس الخضار وتصفق؟

وزارة الثقافة أعادت تعريف دورها. لم تعد حارسًا على متحف، بل صارت دليلًا في رحلة. الشعار القديم "الثقافة للجميع" نزل من على الجدار وصار يمشي بين الناس. رأينا الثقافة بلا رابطة عنق، تضحك على الرصيف. وهذا هو الانتصار.

وحضور الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة كان رسالة تتجاوز البروتوكول. المدينة الناجحة ليست التي تضبط مرورها فقط، بل التي تضبط إيقاعها. الأمن الثقافي جزء من الأمن العام. الفراغ الذي يتركه غياب الفن لا يظل فراغًا، بل تملؤه فورًا أفكار أقل تسامحًا.

"شارع الفن" يعيد تعريف "الفنان المواطن". هو الذي يدرك أن موهبته تكليف لا تشريف. لسنوات تعرض الفنان المصري لحملة تجريح صورته ماجنًا بعيدًا عن القيم. الرد لا يكون بالبيانات. يكون بمشهد طالبة باليه محتشمة تؤدي رقصتها أمام جدة محجبة تصفق بدموع. يكون بشاب يقدم ابتهالًا بصوت أوبرالي فيطرب له شيخ وقور. هنا تسقط كل التهم، لا بالكلام، بل بالحياة.

كل جماعة تخاف النور لها سبب. النور يكشف. والفن أشد أنواع النور كشفًا. لهذا كانت معاركهم دائمًا ضد تمثال، ضد أغنية، ضد قبلة في فيلم. "شارع الفن" يرعبهم لأنه يستعيد الفضاء العام من أيديولوجيا الكآبة، ويعيد المرأة والطفل إلى قلب المشهد، ويربط الفن بالهوية الوطنية. حين تسمع "بلادي بلادي" في الشريفين، تدرك أن معركة الوطن تُخاض أيضًا بالوتر.

من أجل ذلك كله، علينا أن نتوقع المقاومة. ستأتي سخرية أولًا، ثم بيروقراطية، ثم فتاوى مغلفة. الرد الوحيد هو الاستمرار والتوسع. النبتة الخضراء لا تناقش الصحراء. هي فقط تنمو.

القاهرة ليست وحدها التي تملك الحلم. مصر كلها منجم. كل مدينة فيها ميدان، وكل ميدان يمكن أن يكون "شارع فن". أعطِ شباب الأقاليم ميكروفونًا ومساحة آمنة، وسوف يدهشونك. الاستثمار في الفن هو أذكى استثمار. كلفته قليلة وعائده هائل. هو استثمار في مناعة المجتمع. المجتمع الذي يغني معًا هو مجتمع أقل قابلية للكسر.

الدكتورة نبيلة حسن والأكاديمية، ووزارة الثقافة، ومحافظة القاهرة، وضعوا السطر الأول. لكن القصيدة لن تكتمل إلا إذا آمنا أن الفن ليس كمالية. هو ضرورة كالماء والهواء. البديل عن "شارع الفن" ليس شارعًا صامتًا. البديل هو شارع تملؤه أصوات لا نريد لأولادنا أن يكبروا عليها. البديل هو العتمة. ونحن أبناء حضارة قالت إن البدء كان بكلمة، وإن الكلمة كانت نورًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق