توصلت دراسة جديدة بقيادة جامعة «كاليفورنيا» فى لوس أنجلوس، بمشاركة العالم المصرى الدكتور ماهر القاضى، إلى نوع من الخرسانة يسهم فى إطالة العمر الافتراضى للمنشآت عبر دمج «أكسيد الجرافين» فى الخلطة الأسمنتية.
وحسب الدراسة التى نُشرت فى مجلة «ACS Applied Engineering Materials»، التابعة للجمعية الكيميائية الأمريكية، فإن التقنية الجديدة، التى استغرق العمل عليها نحو ٢٠ عامًا، تعتمد على تحسين طريقة توزيع «أكسيد الجرافين» داخل الخرسانة، ما أدى إلى رفع قوة الخرسانة بنحو ٢٥٪، وتقليل المسامية بنسبة وصلت إلى ٥٠٪، باستخدام كمية لا تتجاوز ٠.٠١٪ من وزن الأسمنت.
وأكد الباحثون أن الخرسانة المعززة بـ«الجرافين» لا تكتفى بتحقيق قوة أعلى، بل تمتلك أيضًا قدرة أكبر على مقاومة التشققات ونفاذ المياه والتآكل، ما يطيل عمر المنشآت ويقلل احتياجات الصيانة على المدى البعيد.
قال الدكتور ماهر القاضى، الباحث المصرى المشارك فى الدراسة: «لقد أمضى فريقنا ما يقرب من ٢٠ عامًا فى تحسين عملية تصنيع ومعالجة أكسيد الجرافين، وأكثر من عقد فى العمل مع شركاء صناعيين لتوسيع نطاق الإنتاج بجودة عالية باستمرار، ومن المثير أن نرى هذا الجهد طويل الأمد يتوج بدراسة ذات أهمية مجتمعية واضحة».
وأوضح «القاضى» لـ«الدستور»، أن الفريق البحثى نجح فى تطوير طريقة تسمح بتحسين خواص الخرسانة بصورة كبيرة باستخدام كميات ضئيلة للغاية من «أكسيد الجرافين»، مضيفًا: «قدرنا نستخدم أكسيد الجرافين لتحسين خواص الخرسانة بشكل كبير، بحيث تبقى أقوى، وتعيش لفترة أطول، وتكون أقل عرضة للتشققات والعوامل البيئية».
وواصل: «قدرنا نحقق زيادة فى قوة الخرسانة بنحو ٢٥٪ مع تقليل المسامية بنسبة وصلت إلى ٥٠٪، وكل ده باستخدام كمية صغيرة جدًا من أكسيد الجرافين، وهى نحو ٠.٠١٪ فقط من وزن الأسمنت».
وأكد أن الوصول إلى هذه النتائج استغرق سنوات طويلة من العمل على إنتاج المادة وتحسين جودتها والتحكم فى خصائصها، مشيرًا إلى أن المجتمع العلمى كان يعلم منذ سنوات بأن «أكسيد الجرافين» قادر على تحسين خصائص الأسمنت والخرسانة، إلا أن النتائج كانت متضاربة وغير مستقرة.
وأكمل: «اللى حاولنا نقدمه فى البحث ده هو فهم أوضح لآلية عمل أكسيد الجرافين داخل الخرسانة، وكيف أن طريقة التحضير والتوزيع تفرق بشكل ضخم فى النتيجة النهائية». وتابع: «ده ممكن يساعد مستقبلًا فى تحقيق أفضل استفادة من المادة، سواء لزيادة قوة الخرسانة وإطالة عمرها، أو حتى تقليل الانبعاثات الكربونية».
وشدد على أن أهمية الدراسة تتجاوز تحسين أداء الخرسانة إلى بعدها البيئى، خاصة أن صناعة الأسمنت مسئولة عن نسبة كبيرة من الانبعاثات الكربونية العالمية، حيث تمثل كارثة بيئية محققة.
وتابع، «إحنا كبشر بنستخدم الخرسانة بشكل كبير، باعتبارها المادة الأساسية فى البناء. دراسة من ٦ سنوات تقريبًا أشارت إلى أن وزن المواد التى صنعها الإنسان تجاوز إجمالى وزن جميع الكائنات الحية على كوكب الأرض، وكان للخرسانة النصيب الأكبر من ذلك».
وأضاف: «كل سنة بننتج نحو ٤ مليارات طن من الأسمنت، وده رقم ضخم جدًا، وينتج عنه كمية هائلة من ثانى أكسيد الكربون. صناعة الأسمنت وحدها مسئولة عن نحو ٨٪ من الانبعاثات الكربونية العالمية»، مشيرًا إلى أن إنتاج الأسمنت يتطلب درجات حرارة مرتفعة تصل إلى نحو ١٤٥٠ درجة مئوية، ما يستهلك كميات ضخمة من الطاقة، فضلًا عن الانبعاثات الناتجة عن التفاعلات الكيميائية خلال عملية التصنيع.
وحسب «القاضى»، فإن زيادة قوة الخرسانة تعنى إمكانية استخدام كميات أقل من الأسمنت لتحقيق نفس الأداء الإنشائى. كما أن زيادة العمر الافتراضى للمنشآت تقلل الحاجة إلى الصيانة وإعادة البناء.
وشرح: «لو عملنا مبنى بخرسانة يعيش ١٠٠ سنة فهنحتاج بعد كده إلى تجديده، لكن لو قدرنا نخلية يعيش ٣٠٠ سنة فإحنا بنقلل إجمالى استهلاك الأسمنت والطاقة والانبعاثات الكربونية على مدى عشرات السنين».
وفيما يتعلق بـ«تقليل المسامية»، قال «القاضى» إن هذا يعنى تقليل التشققات الدقيقة التى تمثل نقاط ضعف داخل الخرسانة وتؤثر على عمرها الافتراضى، ما ينعكس على قوة المنشآت وسلامتها على المدى الطويل.
وأضاف: «أهمية النتائج تتضح أكثر عند مقارنتها بمواد نانوية أخرى تستخدم بالفعل فى الخرسانة عالية الأداء»، موضحًا أنه فى «بعض المشروعات الكبرى مثل برج خليفة كانوا يستخدمون مادة الدخان السيليكونى بنسب تتراوح بين ٥ و١٥٪ من وزن الأسمنت لتحسين الأداء، بينما نحن نستخدم أكسيد الجرافين بنسبة نحو ٠.٠١٪ فقط».
وواصل: «يعنى بنتكلم عن كمية أقل بنحو ١٠٠٠ مرة تقريبًا، ومع ذلك بنحقق تحسنًا واضحًا فى خواص الخرسانة، وده بيساعد مستقبلًا فى تقليل التكلفة وتحسين كفاءة التصنيع».
وحول مستقبل المشروع، قال «القاضى» إن الدراسة تمثل بداية الطريق نحو التطبيقات الصناعية، موضحًا أن المشروع واجه تحديات مرتبطة بإنتاج «أكسيد الجرافين» والتحكم فى جودته، وبعد سنوات من التطوير فى عمليات التصنيع، عادوا لتجربة الفكرة مرة أخرى مع فريق الهندسة، واستطاعوا فهم آلية عمل المادة داخل الخرسانة بشكل أوضح.
وأضاف: «إحنا مش أول ناس تكتشف إن أكسيد الجرافين بيحسن جودة الخرسانة، لكن من أوائل الفرق اللى قدرت تفسر ليه بيحصل التحسن ده، وإزاى يمكن التحكم فيه بشكل منهجى»، مشيرًا إلى أن الفريق يعمل حاليًا مع عدد من الشركات المتخصصة فى صناعة الأسمنت لإجراء اختبارات على نطاق أكبر؛ تمهيدًا لنقل التقنية من المختبر إلى التطبيقات الصناعية الفعلية.
وواصل: «المرحلة التالية إننا نعمل مع الشركات المتخصصة فى إنتاج الأسمنت بحيث يجربوا الخامات الخاصة بنا على نطاق أوسع، ونشوف إمكانية الانتقال من الاختبارات المعملية إلى مستوى التصنيع».
وأكد أن هذه الدراسة تندرج ضمن الجهود العالمية الداعمة لـ«البناء الأخضر»، وتقليل التأثير البيئى لقطاع التشييد، مضيفًا: «لما بنقلل كمية الأسمنت المستخدمة، إحنا مش بس بنقلل الانبعاثات الكربونية، لكن كمان بنقلل الحاجة إلى استخراج المواد الخام من خلال التعدين، وده بيساعد بشكل مباشر فى الحفاظ على التوازن البيئى».
واختتم «القاضى» حديثه بأن أى تحسن فى أداء الخرسانة، حتى لو بدا بسيطًا، يمكن أن يتحول إلى تأثير كبير على البيئة واستدامة المدن والبنية التحتية حول العالم خلال العقود المقبلة.


















0 تعليق