فى صباح أول أيام عيد الأضحى، كانت الشوارع والميادين تستقبل يوما جديدا يحمل أجواء الفرحة والزيارات العائلية وصيحات الأطفال التى تملأ الأزقة والحارات احتفالا بالعيد، أما «أحمد» السائق الثلاثينى البسيط فقد عاد إلى منزله بعد ليلة طويلة قضاها خلف عجلة القيادة يجوب الشوارع بحثًا عن رزقه متحملاً مشقة العمل من أجل أسرته ووالدته التى لم يكن لها، بعد الله، سوى ابنها الوحيد.
وصل «أحمد» إلى منزله الكائن بمنطقة عزبة النخل شرق القاهرة، وقد بدت علامات الإرهاق واضحة على وجهه استقبلته والدته بابتسامة ممزوجة بالدعوات بينما هنأته شقيقته بحلول العيد لم يطل الحديث بين أفراد الأسرة فقد كان التعب يؤرق جسده، دخل غرفته وألقى بنفسه على سريره آملًا فى الحصول على ساعات قليلة من الراحة قبل أن يعود إلى عمله ليلًا لكن القدر كان يخبئ له نهاية مختلفة.
لم تمر سوى دقائق حتى بدأ ضجيج الأطفال يتصاعد أمام المنزل أصوات اللعب والصراخ كانت تتردد فى الشارع الضيق حاول «أحمد» تجاهل الأمر فى البداية لكنه لم يستطع النوم بعد ليلة عمل شاقة نهض متثاقلًا واتجه إلى شرفة المنزل ثم طلب من الأطفال بهدوء أن يبتعدوا قليلًا عن النافذة حتى يتمكن من الراحة.
كانت كلمات عادية قد يقولها أى شخص فى موقف مشابه لكنها سقطت كشرارة فوق تلال من الخلافات القديمة فمنذ أيام قليلة فقط نشب خلاف بين «أحمد» وأحد جيرانه بسبب خلافات الجيرة ورغم تدخل الأهالى وإنهاء المشكلة ظاهريًا فإن نار الغضب ظلت مشتعلة فى النفوس تنتظر اللحظة المناسبة للاشتعال من جديد فوجئ «أحمد» بأن الاطفال تعدوا عليه لفظيا وحاولوا إهانته أمام السكان والمارة، واحتد المشادة الكلامية بينه وبين أسرة الأطفال.
لم تمضِ سوى لحظات حتى فوجئ «أحمد» بأحد أفراد أسرة الأطفال يتوجهون نحو منزله فى حالة من الغضب فنزل مترجلا سريعا لتبدأ المشادات الكلامية التى تحولت سريعًا إلى سيل من السباب المتبادلة، والاتهامات حاول البعض تهدئة الموقف لكن الأمور خرجت عن السيطرة، وتحولت أجواء العيد إلى معركة دامية اختلطت فيها أجواء الفرحة بالدماء وتدخل الشيطان وانتهى الأمر بكارثة لم تكن فى الحسبان.
وقال أحد شهود العيان إن «أحمد» شاب طيب ومشهود له بحسن الخلق بين جيرانه وأهله، وعن احداث الواقعة أوضح أن الجيران تفاجئوا بأصوات صراخ هرع الجميع لفض المشاجرة ولكن تحول الأمر إلى كارثة لم يظن أحد أن الأمر لن يتجاوز مشادة عابرة، كما يحدث كثيرًا بين الجيران، إلا أن ما حدث بعد ذلك كان أكثر قسوة مما تخيله أحد.
فى ثوانٍ معدودة تحولت الكلمات إلى أسلحة بيضاء انهالت الطعنات على جسد الشاب من أكثر من اتجاه حاول الدفاع عن نفسه لكن الهجوم كان عنيفًا ومفاجئًا سقط أرضًا وسط صرخات المارة وذهول الجيران الذين لم يستوعبوا ما يجرى أمام أعينهم.
امتزجت فرحة العيد بدماء الضحية وتحول الشارع الذى كان قبل دقائق يعج بأصوات الأطفال إلى مسرح لجريمة هزت المنطقة بأكملها.
كانت الصدمة الأكبر داخل منزل «أحمد» خرجت والدته على أصوات الاستغاثات لتجد ابنها الوحيد غارقًا فى دمائه. لم تستوعب المشهد وظلت تصرخ بحرقة ودموعها تسبق أنفاسها «أبنى ممتش ابنى عايش» وكأنها تنتظر منه أن يجيبها أو ينهض من مكانه كانت الدموع تنهمر من عينيها بينما يسيطر عليها الذهول، رافضة تصديق أن ابنها الذى ودعها قبل دقائق قليلة قد رحل إلى الأبد.
تلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن القاهرة بلاغًا بوقوع مشاجرة ووجود قتيل بمنطقة عزبة النخل على الفور انتقلت قوة أمنية إلى مسرح الجريمة، وبإجراء الفحص تم العثور على جثة الشاب «أحمد» غارقا فى دمائه وتم نقله إلى المستشفى لإنقاذه ولكنه كان قد فارق الحياة متأثرا بجراحه.
ولم تستغرق التحريات وقتًا طويلًا حتى تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهمين وهم جار المجنى عليه ونجلاه كما تم العثور على الأسلحة البيضاء المستخدمة فى الواقعة. وبمواجهتهم أقروا بارتكاب الجريمة بسبب خلافات الجيرة المتراكمة بينهم وبين الضحية أمرت النيابة بحبسهم على ذمة التحقيقات، وايداعهم خلف القضبان.
أمام بيت «أحمد» فقد عاش حاله من الحزن والألم لفراق الابن الوحيد بعد أن شيعوا جثمانه فى مشهد مهيب بعد أن تحولت فرحة العيد إلى ذكرى أليمة لن تمحى من ذاكرة أسرته وجيرانه.
















0 تعليق