ضوابط الإسلام عند بناء وإنشاء المقابر

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فضلَّ الشرعُ الشريفُ الإنسانَ وكرَّمه، فشَرَع له بعد مَمَاتِهِ قبرًا يُواريه ويحفظه؛ صيانةً لحرمته وحفظًا لأمانته، والأصل في القبر أن يُعَمَّقَ في الأرض مَحَلِّ الدَّفن، وأقل ذلك أن يكون على قَدْر قامَة الإنسان الذي يَرفع يدَه فوقَه، وأن يكون بطول الميت، وعرضه نصف طوله إن كان في صورة لحد أو شقٍّ، فإن لم تَصلُح الأرضُ لأيٍّ منهما فلا مانِع مِن الدَّفن في الفَسَاقِيِّ والغُرَف ونحوها، بشرط أنْ تُحَقِّق المطلوب شرعًا في القبر.


بيان حكم دفن الموتى

مما كرَّم اللهُ تعالى به الإنسانَ وفضَّله على سائر المخلوقات أنْ شَرَع له بعد مَمَاتِهِ قبرًا يُواريه، وكِنًّا يستتر فيه؛ صيانةً لحرمته وحفظًا لأمانته، حتَّى لا تنتشر رائحته، أو تنهشه السباع أو الجوارح، أو ينبشه سارق، أو ينتهكه معتدٍ، فقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]، وقال سبحانه في مَعرِض الِامتِنان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ۝ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25- 26]، وقال جلَّ شأنه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُۥ﴾ [عبس: 21].

وقد أَجمَعَ المسلمون على أنَّ دَفن الميت ومُوَارَاةَ بَدَنِهِ فرضُ كِفَايَةٍ على الناس، إذا قام به بَعضٌ مِنهم أو مِن غيرهم سَقَط عن الباقين.

قال الإمام ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 44، ط. دار المسلم): [وأجمعوا على أن دفنَ الميت لازمٌ واجبٌ على الناس لا يسَعُهم تركه عند الإمكان، ومن قام به منهم سقط فرض ذلك على سائر المسلمين] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 282، ط. دار الفكر): [دفن الميت فرض كفاية بالإجماع، وقد عُلِمَ أن فرضَ الكفاية إذا تَعَطَّلَ أَثِمَ به كل من دخل في ذلك الفرض دون غيرهم] اهـ.

الضوابط الشرعية عند إنشاء المقابر

الأصل في القبر أن يُعَمَّقَ في الأرض مَحَلِّ الدَّفن، وأقل ذلك أن يكون على قَدْر قامَة الإنسان العادي الذي يَرفع يدَه فوقَه، أي: مترين وربع المتر تقريبًا، كما يُراعَى في تهيئة القبر وإعداده طولُ الميت، وأن يكون عَرضُه على قَدْرِ نصف طولِه، وإن زادت على ذلك فهو حسن.

قال العلامة شيخي زاده في "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر" (1/ 186، ط. دار إحياء التراث العربي): [(ويحفر القبر) وهو مقر الميت طوله على قدر طول الميت، وعرضه على قدر نصف طوله، وعمقه إلى السرة. وقيل: إلى الصدر، وإن زاد عليه فهو أفضل، فلو كان على قدر قامته فهو أحسن] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 287): [يستحب أن يعمَّق القبر؛ لحديث هشام بن عامر الذي ذكرناه، ويستحب أن يكون عُمقُه قامةً وبسطة؛ لما ذكره المصنف. هذا هو المشهور الذي قطع به الأصحاب في كل طرقهم، إلا وجهًا حكاه الرافعي وغيره: أنه قامة بلا بسطة، وهذا شاذ ضعيف. ومعنى القامة والبسطة: أن يقف فيه رجل معتدل القامة ويرفع يديه إلى فوق رأسه ما أمكنه. وقدَّر أصحابنا القامة والبسطة بأربع أذرع ونصف، هذا هو المشهور في قدرهما، وبه قطع الجمهور] اهـ.

وقال العلامة البُهُوتِيُّ في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 372، ط. عالم الكتب): [(وسُنَّ أن يُعَمَّق) قبرٌ (ويوسَّع قبرٌ بلا حَدّ)؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في قتلى أحد: «احفِرُوا وَأَوسِعُوا وَأَعمِقُوا»، قال الترمذي: حسن صحيح. لأنَّ التعميقَ أَبعَدُ لظهور الرائحة، وأَمنَعُ للوحوش. والتوسيع: الزيادة في الطول والعرض. والتعميق -بالعين المهملة-: الزيادة في النزول (ويكفي ما) أي: تعميقٌ (يمنع السباع والرائحة) لأنه يحصل به المقصود، وسواء الرجل والمرأة] اهـ.

وذلك إذا كان نظام الدفن المتَّبَع على صورة "الشَّق"، فيكون بتعميق في الأرض مَحَلِّ الدَّفن على قَدْر قامَة الإنسان العادي الذي يَرفع يدَه فوقَه -أي مترين وربع المتر تقريبًا-، ثم يُحفَر في أرضها على قَدْر وضع الميت على جَنبه بِطُوله، بحيث يكون على جَنبه الأيمن وصَدرُه إلى القِبلة، ثم يُوَسَّد في قبره ويَدُه لِجَنْبِهِ، ثم تُوضَعُ اللَّبِناتُ أو الحِجارة فوق الشَّقِّ، ثم يَخرج الحافِر، ثم يُهالُ عليه التراب.

وإذا كان على صورة "اللَّحْد"، فيتحقق بأنْ يَقوم الواقفُ داخلَ الحُفرة المُعَمَّقة في الأرض بحَفرِ مكانٍ في جانِبِ القبر مِن جهة القِبلة على بُعد ثُلُثَي طُولِه مِن الأرض يَسمح بدَفن الميت فيه، ويُعَمِّقه بحيث يُمكِن إرقادُ الميت فيه على الهيئة السابقة، ثم يُغطِّي الجانبَ المفتوح باللَّبِن أو الحِجارة، ثم يَخرج الحافِر ويُهِيل التراب، مع التنويه على أن هاتين الطريقتين إنما تَصلُحان في الأرض الصَّلْبة.

قال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 287): [أجمع العلماء أن الدفن في اللحد وفي الشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل؛ لما سبق من الأدلة. وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل] اهـ.

فإن لم تَصلُح الأرضُ لأيٍّ منهما فلا مانع مِن أن يَكون الدَّفنُ بأيِّ طريقةٍ أخرى بشرط أنْ تُحَقِّق المطلوب شرعًا في القبر، كما سبق بيانه؛ لتحقق المطلوب به مِن الدفن الشرعي وحِكمته مِن مُوَارَاةِ جسد الميت والحفاظِ عليه مِن أن يَتعرض للأذى والامتِهان، وهذا هو المفتَى به، وعليه العمل في الديار المصرية منذ زمنٍ بعيد، حيث أجازوا الدفن في الفَسَاقِيّ -جمع فَسْقِيَّة، وهي حجرةٌ صغيرةٌ مبنيةٌ تَسَعُ الميت، سواء كانت تحت الأرض أو فوقها- نظرًا لرطوبة الأرض ورخاوتها بسبب مجاورة الأنهار وكثرة المياه الجوفية.

وهذا مأخوذ من تعامل الفقهاء مع دفن الموتى في الأراضي الرِّخوة أو النَّدِيَّة تعاملًا مصلحيًّا، حيث نظروا فيه إلى المصلحة بفعل ما يدفع الأذى عن الميت؛ فجوَّزوا اتِّخاذ الوسائل وعمل الإجراءات التي تزيد إحكام القبر وإغلاقه، فقالوا بجواز الدفن في تابوتٍ، سواء كان حجرًا أو خشبًا أو حديدًا، وبجواز وضع القصب أو البلاط بدلًا عن الطين، وبجواز وضع الأحجار التي تحفظ القبر من الاندراس والنبش، وبجواز توسيع القبر أو تعميقه أو رفع بنائه كلما احتيج إلى ذلك، ومع اختلافهم في المفاضلة بين الشَّقِّ والَّلحد فقد أجازوهما جميعًا.

قال الإمام الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 245، ط. الأميرية): [وإذا كانت الأرض رخوة: فلا بأس بالشَّق واتخاذ التابوت من حجرٍ أو حديدٍ، ويفرش فيه التراب] اهـ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق