أطلق الدكتور ناجي عبد الله وكيل كلية الدراسات الإسلامية، بجامعة الأزهر، تحذيرًا من تنامي ظاهرة توثيق مناسك الحج والعمرة بصورة مفرطة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن بعض الممارسات الرقمية الحديثة باتت تُفرغ العبادة من جوهرها الروحي وتحولها إلى محتوى يسعى وراء التفاعل والمشاهدات واللايكات
وأوضح خلال ظهوره على قناة أزهري أن ما يعرف بظاهرة "بلوجر الأماكن المقدسة" تجاوز حدود التوثيق الشخصي المشروع إلى حالة من الانشغال المبالغ فيه بالتصوير والعرض والتسويق داخل أطهر بقاع الأرض.
بين التوثيق المشروع والاستعراض المذموم
وأشار وكيل كلية الدراسات الإسلامية إلى أن التقاط الصور التذكارية أثناء الحج أو العمرة أمر مباح في الأصل، ولا حرج فيه إذا كان الهدف منه الاحتفاظ بذكرى طيبة لتلك اللحظات الإيمانية الفارقة.
لكنه شدد على أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الأمر إلى جلسات تصوير متكررة أو محتوى دعائي للشركات والمنتجات أو سعي دائم وراء نشر الصور والفيديوهات بهدف جذب المتابعين وحصد الإعجابات والتعليقات، وهو ما قد يفتح الباب أمام الرياء وحب الظهور.
الانشغال بالناس بدلًا من رب الناس
وأكد الدكتور ناجي عبد الله أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو انصراف القلب عن المقصد الحقيقي للعبادة، حيث يصبح اهتمام الإنسان منصبًا على ردود أفعال الجمهور ومتابعة التعليقات أكثر من انشغاله بالتقرب إلى الله.
وأوضح أن مواطن العبادة الكبرى، وعلى رأسها الحج والعمرة، تستوجب حالة من الخلوة الروحية والانقطاع عن شواغل الدنيا، بحيث يعيش المسلم لحظات صفاء كاملة مع خالقه بعيدًا عن ضجيج العالم ومؤثراته.
حديث نبوي يرسخ معنى الحضور الكامل في العبادة
واستشهد بما روته السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها عن النبي محمد صلي الله عليه وسلم حين قالت: "كان يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة قام إليها كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه"، معتبرًا أن هذا الحديث يجسد المعنى الحقيقي للانتقال الكامل من الانشغال بأمور الدنيا إلى التفرغ المطلق للعبادة.
حين يتحول النسك إلى "تعب ضائع"
ورأى وكيل كلية الدراسات الإسلامية أن السعي لإظهار العبادات أمام الآخرين قد يُفقد العمل جانبًا من إخلاصه، موضحًا أن الإنسان ربما يتحمل مشقة السفر وينفق المال ويبذل الجهد البدني الكبير في أداء المناسك، ثم يوجه اهتمامه إلى رؤية الناس له بدلاً من استحضار مراقبة الله وحده.
وأضاف أن هذه الحالة قد تجعل
صاحبها يفقد جزءًا من الثمرة الروحية المرجوة من العبادة، إذا غلبت عليه الرغبة في الظهور والثناء.
عبد الله بن عمر ونموذج "العبد الخفي"
وفي سياق حديثه عن قيمة الإخلاص، استحضر قصة الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عندما سُئل عن كثرة الحجاج، فأشار إلى رجل بسيط يركب جملًا متواضعًا بعيدًا عن الأنظار، وقال عنه: "هذا من القليل".
وأوضح أن هذه الرواية تعكس مفهوم "العبد التقي الخفي" الذي يحرص على أن تكون علاقته بالله بعيدة عن كل البعد عن الأضواء، وهو النموذج الذي اعتبره العلماء أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن دوافع الشهرة وحب الظهور.
دعوة إلى تصحيح النية والالتزام بوقار الأماكن المقدسة
واختتم الدكتور ناجي عبد الله حديثه بالتأكيد على أن النجاح الحقيقي في زيارة الحرمين لا يقاس بعدد الصور أو المشاهدات، وإنما بمدى حضور القلب وصفاء النية وتعظيم شعائر الله.
ودعا المؤثرين وصناع المحتوى إلى التحلي بالوقار وخفض الأصوات داخل الأماكن المقدسة، خاصة في رحاب المسجد النبوي الشريف، والالتزام بآداب الزيارة وتعظيم حرمة المكان، مستشهدًا بقوله تعالى: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا"، وبوصية النبي صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم".














0 تعليق