قال الأكاديمي اللبناني الدكتور علي عبده، إن الساحة اللبنانية، ولا سيما في الجنوب، تمر بمرحلة شديدة الخطورة والحساسية في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية، وتكرار التهديدات بتوسيع العمليات العسكرية باتجاه بيروت والضاحية الجنوبية، بالتزامن مع ضغوط وجهود دولية وإقليمية تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
وأضاف عبده في تصريحات لـ"الدستور" أن الوعود الأمريكية الأخيرة بشأن وقف إطلاق النار في لبنان، والتي جاءت على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا تزال تُقابل بحالة من الحذر الشديد داخل الأوساط اللبنانية، لا سيما في الجنوب، مشيرًا إلى أن ثقة اللبنانيين بهذه الوعود تبقى محدودة ومشروطة بمدى ترجمتها إلى خطوات عملية على الأرض.
وأوضح أن هناك فجوة كبيرة بين التعهدات الدبلوماسية والوقائع الميدانية التي شهدها لبنان خلال الأشهر الماضية، حيث استمرت الغارات الإسرائيلية وسقط ضحايا مدنيون، إلى جانب تعرض البنية التحتية والمؤسسات التعليمية والصحية والإعلامية لأضرار كبيرة. وأشار إلى أن هذا الواقع جعل شريحة واسعة من اللبنانيين تنظر بعين الشك إلى أي وعود سياسية لا تترافق مع إجراءات فعلية توقف الاعتداءات بشكل كامل.
وتابع عبده أن أحد أسباب التردد في التعاطي مع الطروحات الأمريكية يتمثل في الانقسام الداخلي اللبناني بشأن طبيعة الدور الذي تلعبه واشنطن في المفاوضات الجارية، موضحًا أن بعض القوى السياسية تعتبر الولايات المتحدة طرفًا قادرًا على ممارسة الضغوط اللازمة للوصول إلى حلول، بينما ترى قوى أخرى أنها منحازة بصورة واضحة للموقف الإسرائيلي، الأمر الذي يضعف الثقة بقدرتها على أداء دور الوسيط النزيه.
وأشار إلى أن التجارب السابقة دفعت الرأي العام اللبناني إلى تقييم النتائج العملية بدلًا من الاكتفاء بالتصريحات السياسية، مؤكدًا أن المعيار الحقيقي اليوم بالنسبة للبنانيين يتمثل في قدرة الولايات المتحدة على ترجمة تعهداتها إلى وقائع ميدانية تضمن وقف الاعتداءات ومنع التصعيد وإرساء الاستقرار على الحدود الجنوبية.
وأكد عبده أن أبناء الجنوب اللبناني، بعد سنوات طويلة من المواجهات والتجارب القاسية، يراهنون على صمودهم وتمسكهم بأرضهم، كما يثقون بالجهود السياسية التي يقودها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري وبقدرة لبنان على تجاوز هذه المرحلة رغم اختلال موازين القوى العسكرية. وأضاف أن الجنوبيين يؤمنون بأن أرضهم قادرة على لفظ الاحتلال مهما طال الزمن، وأن إرادة الصمود تبقى عاملًا أساسيًا في مواجهة التحديات الراهنة.
سيناريوهات التصعيد والتهدئة
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة خلال الفترة المقبلة، أوضح عبده أن هناك ثلاثة مسارات رئيسية قد تحكم تطورات المشهد اللبناني. ويتمثل السيناريو الأول في استمرار الضغوط الدولية والإقليمية، ولا سيما الإيرانية، لمنع توسع الحرب، مع بقاء التساؤلات قائمة حول مدى التزام الحكومة الإسرائيلية بوقف التصعيد أو استمرارها في تنفيذ ضربات محدودة داخل الأراضي اللبنانية.
وأضاف أن السيناريو الثاني يتمثل في تصعيد موضعي واسع النطاق، قد ينجم عن توسيع إسرائيل لعملياتها العسكرية أو تنفيذ ضربات في العمق اللبناني، الأمر الذي قد يقود إلى ردود أوسع من جانب المقاومة ويؤدي إلى ارتفاع وتيرة المواجهات واتساع نطاقها داخل لبنان وربما إلى خارج حدوده.
أما السيناريو الثالث، بحسب عبده، فيقوم على انفراج سياسي تدريجي يواكبه خفض للتصعيد العسكري وصولًا إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وذلك في حال نجاح التفاهمات الإقليمية والدولية في معالجة عدد من الملفات العالقة في المنطقة، وفي مقدمتها الملف اللبناني.
وختم عبده تصريحاته بالتأكيد على أن السيناريو الأقرب في المدى المنظور هو استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم"، موضحًا أن الظروف الحالية لا تشير إلى وجود تسوية نهائية ناضجة، كما لا توحي في الوقت ذاته باقتراب اندلاع حرب شاملة، بل ترجح استمرار جولات متقطعة من التصعيد ومحاولات الاحتواء إلى حين اتضاح مسار التفاهمات الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بالمفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران.
















0 تعليق