دمج الجيشين.. الأمريكي والإسرائيلي!

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لطالما شكّل الدعم الثابت لأمن إسرائيل، ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية لجميع الإدارات الأمريكية منذ رئاسة هاري إس. ترومان.. فمنذ تأسيسها عام ١٩٤٨، قدّمت الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات ثنائية تجاوزت مائة وثلاثين مليار دولار، ركّزت على مواجهة التهديدات الأمنية الجديدة والمعقدة، وسدّ ثغرات القدرات الإسرائيلية من خلال المساعدة والتعاون الأمني، وتعزيز قابلية التشغيل البيني عبر التدريبات المشتركة، ومساعدة إسرائيل على الحفاظ على تفوّقها العسكري النوعي.. وقد ساهمت هذه المساعدات في تحويل الجيش الإسرائيلي إلى أحد أكثر الجيوش كفاءة وفعالية في العالم، وجعلت قطاع الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الإسرائيلي، من أكبر مُصدّري القدرات العسكرية على مستوى العالم.. ومنذ عام ١٩٨٣، تعقد الولايات المتحدة وإسرائيل اجتماعات دورية، عبر المجموعة السياسية العسكرية المشتركة، لتعزيز السياسات المشتركة، ومعالجة التهديدات والمخاوف المشتركة، وتحديد مجالات جديدة للتعاون الأمني.. وقد أكد الاجتماع الثامن والأربعون للتحالف المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، الذي عُقد في أكتوبر 2022، على الشراكة الاستراتيجية المتينة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مُشددًا على الالتزام المتبادل بتعزيز التعاون لدعم الأمن الإقليمي، وتدعيم الإنجازات التاريخية للتطبيع الأخير بموجب اتفاقيات إبراهام.
تُعدّ إسرائيل أكبر متلقٍّ عالمي للمساعدات الأمنية الأمريكية، بموجب البند الثاني والعشرين من برنامج التمويل العسكري الأجنبي FMF.. وقد تمّ إضفاء الطابع الرسمي على هذا البرنامج، من خلال مذكرة تفاهم مدتها عشر سنوات (2019 ـ 2028).. وبموجب هذه المذكرة، تُقدّم الولايات المتحدة سنويًا 3.3 مليار دولار أمريكي، ضمن برنامج التمويل العسكري الأجنبي، بالإضافة إلى خمسمائة مليون دولار أمريكي، لبرامج التعاون في مجال الدفاع الصاروخي.. ومنذ السنة المالية 2009، قدّمت الولايات المتحدة لإسرائيل 3.4 مليار دولار أمريكي، لتمويل الدفاع الصاروخي، بما في ذلك 1.3 مليار دولار أمريكي لدعم منظومة القبة الحديدية، بدءًا من السنة المالية 2011.. ومن خلال برنامج التمويل العسكري الأجنبي، تُتيح الولايات المتحدة لإسرائيل الوصول إلى بعضٍ من أحدث المعدات العسكرية في العالم، بما في ذلك طائرة F-35 Lighting.. وتستحق إسرائيل التمويل النقدي، ويُصرّح لها باستخدام مخصصاتها السنوية من برنامج التمويل العسكري الأجنبي، لشراء المعدات والخدمات والتدريب الدفاعي، من خلال نظام المبيعات العسكرية الأجنبية FMS، واتفاقيات العقود التجارية المباشرة ـ وهي عمليات شراء ممولة من برنامج التمويل العسكري الأجنبي ـ ومن خلال عمليات الشراء الخارجية OSP.. بموجب اتفاقية الشراكة الخارجية، تسمح مذكرة التفاهم الحالية لإسرائيل بإنفاق جزء من ميزانية صندوقها العسكري الأجنبي، على معدات دفاعية إسرائيلية الصنع بدلًا من أمريكية الصنع.. وقد بلغت هذه النسبة 25% في السنة المالية 2019، ولكن من المقرر أن تتلاشى تدريجيًا، لتصل إلى الصفر في السنة المالية 2028.
حتى أبريل 2025، كان لدى الولايات المتحدة سبعمائة وواحد وخمسين صفقة بيع عسكري أجنبي نشطة مع إسرائيل، بقيمة 39.2 مليار دولار.. وتشمل المبادرات ذات الأولوية: طائرات إف-35 المقاتلة الهجومية المشتركة؛ ومروحيات النقل الثقيل سي إتش-53 كيه؛ وطائرات التزود بالوقود جوًا كي سي-46 إيه؛ والذخائر الموجهة بدقة.. وخلال الفترة من السنة المالية 2018 إلى السنة المالية 2022، سمحت الولايات المتحدة أيضًا بتصدير دائم لأكثر من 12.2 مليار دولار من المعدات الدفاعية إلى إسرائيل، عبر برنامج المبيعات التجارية المباشرة.. وشملت أبرز فئات هذه المبيعات، محركات التوربينات الغازية والمعدات المرتبطة بها، ومركبات الإطلاق، والصواريخ الموجهة، والصواريخ الباليستية، والصواريخ، والطوربيدات، والقنابل، والألغام، والطائرات.. ومنذ عام 1992، قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل معدات بقيمة 6.6 مليار دولار أمريكي، بموجب برنامج فائض المواد الدفاعية، بما في ذلك الأسلحة وقطع الغيار وأجهزة المحاكاة.. كما تحتفظ القيادة الأوروبية ـ الأمريكية في إسرائيل، بمخزون احتياطي الحرب الأمريكي، والذي يمكن استخدامه لتعزيز الدفاعات الإسرائيلية، في حالة حدوث طارئ عسكري كبير.
بالإضافة إلى المساعدة الأمنية ومبيعات الأسلحة، تشارك الولايات المتحدة في مجموعة متنوعة من التبادلات مع إسرائيل، بما في ذلك التدريبات العسكرية، فضلًا عن البحوث المشتركة وتطوير الأسلحة.. وقد وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل العديد من اتفاقيات التعاون الدفاعي الثنائية، بما في ذلك: اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة (1952)؛ اتفاقية الأمن العام للمعلومات (1982)؛ اتفاقية الدعم اللوجستي المتبادل (1991)؛ واتفاقية وضع القوات (1994).. ومنذ عام 2011، استثمرت الولايات المتحدة أكثر من ثمانية ملايين دولار، في برامج تدمير الأسلحة التقليدية في الضفة الغربية، لتحسين الأمن الإقليمي والإنساني، من خلال مسح وتطهير حقول الألغام غير المتنازع عليها. وبعد سنوات من المفاوضات مع الفلسطينيين والإسرائيليين، بدأت أنشطة العمل الإنساني لإزالة الألغام في أبريل 2014، وهو ما يمثل أول عملية تطهير إنسانية من تلوث الألغام الأرضية، منذ ما يقرب من خمسة عقود.
بموجب القانون الأمريكي، تُصنّف إسرائيل كحليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو.. يمنح هذا التصنيف الشركاء الأجانب مزايا معينة في مجالات التجارة الدفاعية والتعاون الأمني، ويُعدّ رمزًا قويًا لعلاقتهم الوثيقة مع الولايات المتحدة.. وتماشيًا مع المتطلبات القانونية، تتبنى الولايات المتحدة سياسة مساعدة إسرائيل في الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، أي قدرتها على مواجهة أي تهديد عسكري تقليدي ذي مصداقية، من أي دولة منفردة أو تحالف محتمل من الدول، أو من جهات فاعلة غير حكومية، والقضاء عليه، مع تكبّدها الحد الأدنى من الخسائر البشرية والمادية.. ويتطلب ذلك تقديم تقرير كل أربع سنوات إلى الكونجرس بشأن عمليات نقل الأسلحة، التي يُشترط إخطار الكونجرس بها، والتأكد من أن عمليات نقل الأسلحة الفردية إلى المنطقة، لن تؤثر سلبًا على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل.
*
لذلك، وفي الوقت الذي يعبر فيه الرأي العام الأمريكي، عن مستويات غير مسبوقة من عدم الثقة في الحكومة الإسرائيلية، اقترح الكونجرس ربط الولايات المتحدة بالجيش الإسرائيلي أكثر من أي وقت مضى.. إذ يتضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027، الذي أصدره مجلس النواب يوم الثلاثاء، المادة 224 بعنوان (مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل).. ويمكن القول إن هذا البند من شأنه أن يعزز التعاون بين الجيش الأمريكي والجيش الإسرائيلي، أكثر من المساعدات العسكرية التي تلقتها إسرائيل من الولايات المتحدة منذ تأسيسها عام 1948، والتي تجاوزت قيمتها مائتي مليار دولار (بعد تعديل التضخم).
يُرسي البند 224 الأساس للبحث والتطوير الثنائي، والإنتاج المشترك للأسلحة، والمشاريع المشتركة، واتفاقيات الترخيص، وكل أشكال التعاون العسكري الصناعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.. وتتعاون الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل بشكل مكثف في مجال الدفاع الصاروخي، إلا أن هذا البند سيوسع نطاق التنسيق، ليشمل جميع مجالات تكنولوجيا الدفاع تقريبًا، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأنظمة ذاتية التشغيل، والطاقة الموجهة، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية، وغيرها الكثير.. كما يقترح البند (تكامل الشبكات) و(دمج البيانات).. بمعنى آخر، قد تصبح بيانات الجيش الأمريكي قريبًا بيانات الجيش الإسرائيلي.
إذا تمّ إقرار هذا المقترح بالكامل، فسيوفر مستوىً أعلى من التكامل العسكري الصناعي، يفوق ما هو عليه الحال بين الولايات المتحدة وأي دولة أخرى في العالم.. صحيح أن الولايات المتحدة تعاونت بشكل وثيق مع شركائها في حلف الناتو، في مجال الإنتاج المشترك وسلاسل التوريد المشتركة، ولا سيما من خلال خطة عمل الإنتاج الدفاعي.. وبصفتها أكبر مورد للأسلحة في العالم، تزود الولايات المتحدة الجيوش في جميع أنحاء العالم بالأسلحة.. إلا أن هذا التعاون في معظمه أحادي الاتجاه، حيث تزود الولايات المتحدة مشترين أجانب بالأسلحة، وهم بدورهم لا يقومون بتصنيع أجزاء من تلك الأسلحة، إلا في حالات نادرة، كما هو الحال في سلسلة التوريد العالمية لطائرة F-35.
سيمثل البند 224 نقلة نوعية.. فهو سيُدمج قطاعي الدفاع الأمريكي والإسرائيلي في مجالات حيوية متعددة لساحات معارك المستقبل، مثل الأنظمة ذاتية التشغيل والفضاء السيبراني.. كما سيمنح إسرائيل نفوذًا استثنائيًا في الولايات المتحدة يتجاوز ما تملكه حاليًا، من خلال جماعات الضغط الإسرائيلية وشبكتها الواسعة من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.. وسيتيح هذا البند للحكومة الإسرائيلية فرصة توسيع إحدى أقوى أدوات النفوذ في السياسة الأمريكية: توفير فرص العمل في الولايات المتحدة.. فمن خلال توسيع أو إنشاء مرافق إنتاج مشترك جديدة، ستتمكن الحكومة الإسرائيلية من التباهي بتوفير فرص عمل على الأراضي الأمريكية، وبالتالي ضمان حلفاء لها بين أعضاء الكونجرس الذين يمثلون الدوائر الانتخابية التي تقع فيها هذه الوظائف.. وقد تكون النتيجة نظامًا سياسيًا أمريكيًا أكثر عرضة لأهواء حكومة إسرائيلية، لا يبدو أنها تشعر بأي تحفظات بشأن جر الولايات المتحدة إلى صراعات عسكرية في الشرق الأوسط.
يتناقض هذا المستوى غير المسبوق من التكامل العسكري الأمريكي الإسرائيلي تناقضًا صارخًا مع نموذج المساعدات التقليدي للتعاون الدفاعي، الذي كانت إسرائيل فيه بالفعل أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية.. وكما ورد في موجز حديث صادر عن معهد كوينسي، بقلم ستيفن سيمون، فإن هذا التحول من نموذج المساعدات إلى نموذج التكامل العسكري له تداعيات مقلقة.. إذ سيؤدي هذا التحول إلى تجريد العلاقة، من آليات الرقابة السياسية والدبلوماسية التي تجعلها خاضعة للمساءلة العامة، ونقلها من مجرد تصويت سنوي علني على المساعدات إلى آلية غامضة للاستحواذ الدفاعي، حيث الرقابة محدودة والمساءلة السياسية ضئيلة.. وستكون النتيجة علاقة دفاعية أعمق وأقل شفافية في آن واحد.
يأتي كل هذا في وقت استخدم فيه الجيش الإسرائيلي مرارًا وتكرارًا، أسلحة أمريكية في ضربات انتهكت القوانين الإنسانية الدولية في غزة، وفي الوقت الذي انتهكت فيه إسرائيل مرارًا وتكرارًا وقف إطلاق النار (كما فعلت الولايات المتحدة نفسها) في حرب إدارة ترامب غير الضرورية مع إيران.. ولا ينبغي هنا، تجاهل الفجوة الهائلة بين ما يريده معظم الأمريكيين، وما يفعله الرئيس فيما يتعلق بإسرائيل وما يقترحه الكونجرس.. ففي استطلاع رأي أجرته صحيفة (نيويورك تايمز) بالتعاون مع جامعة سيينا في منتصف مايو، رأى 30% فقط من المشاركين، أن ترامب اتخذ (القرار الصائب) بشن الحرب على إيران، بينما اعتبره 64% قرارًا خاطئًا.. وقد تعمّق استطلاع رأي آخر أجراه معهد الشئون العالمية، ونُشر في وقت سابق من هذا الأسبوع، في فهم العقلية الأمريكية تجاه تسليح إسرائيل، حيث وجد أن (16% فقط يرون، أن على الولايات المتحدة الاستمرار في تزويد إسرائيل بالأسلحة دون قيود جديدة.. بينما يرغب 38% في وقف التزويد بالأسلحة تمامًا، ويريد 24% آخرون ربط الأسلحة بكيفية استخدامها).. ومع ذلك، لا تزال القيادة الرئيسية في كلا الحزبين في الولايات المتحدة، مؤيدة لإسرائيل إلى حد كبير، وتستمر في تشكيل النص التشريعي الأساسي، قبل أن تفتح التعديلات والنقاشات الأوسع في الكونجرس المجال أمام الهيئة الكاملة، كما هو الحال مع هذا البند من قانون تفويض الدفاع الوطني.
على الرغم من بطء هذا التغيير، إلا أن التيارات داخل الحزبين تتغير مع تزايد عدد الأعضاء الذين ينددون بالفجوة المتنامية، بين تصرفات إسرائيل ومصالح أمريكا.. فعلى سبيل المثال، كتب السيناتور كريس فان هولين، (ديمقراطي من ولاية ماريلاند) في صحيفة (نيويورك تايمز) يوم الثلاثاء الماضي، (قدم الحزب الديمقراطي دعمًا تلقائيًا وغير مشروط للحكومات الإسرائيلية، حتى مع تزايد تقويض تصرفاتها للمصالح والقيم الأمريكية).. أما على الجانب الجمهوري، فقد ندد النائب توماس ماسي (جمهوري من ولاية كنتاكي)، والنائبة السابقة مارجوري تايلور جرين (جمهورية من ولاية جورجيا) علنًا، بالنفوذ المدمر للوبي الإسرائيلي، وهو موقف ربما يكون قد كلفهما، جزئيًا على الأقل، مقعديهما في الكونجرس.
ما الذي يمكن لأعضاء الكونجرس الآخرين، القلقين بشأن تصرفات إسرائيل المزعزعة للاستقرار فعله الآن؟.. إيقاف الاندماج العسكري الصناعي الإسرائيلي ـ الأمريكي فورًا.. يجب على المشرعين رفض المادة 224 من قانون تفويض الدفاع الوطني، لتجنب الاندماج العميق مع الجيش الإسرائيلي، في وقت يتزايد فيه عدد الأمريكيين المعارضين لتصرفات إسرائيل في المنطقة.
*
يقول تقرير لـ Quincy institute for responsible statecraft، كتبه ستيفن سيمون، إن الولايات المتحدة وإسرائيل تقتربان حاليًا من إعادة التفاوض على مذكرة التفاهم الدفاعية بينهما، والتي تمتد لعشر سنوات.. وقد صرّح مسئولون إسرائيليون برغبتهم في التخلص التدريجي من المساعدات العسكرية الأمريكية، وهو موقف قد يبدو ظاهريًا خطوة نحو إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، ولكنه ليس كذلك.
ما يدعمه كبار المسئولين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، سرًا ليس تقليص الدعم الأمريكي، بل إعادة هيكلته: تحويل مليارات الدولارات من منح المساعدات الخارجية التي تديرها وزارة الخارجية إلى حسابات المشتريات العامة لوزارة الدفاع، والشراكات الصناعية، وخطوط الإمداد.. سيؤدي هذا التحول إلى تجريد العلاقة من آليات الرقابة السياسية والدبلوماسية التي تجعلها خاضعة للمساءلة العامة، ونقلها من مجرد تصويت سنوي علني على المساعدات، إلى آلية غامضة للاستحواذ الدفاعي، حيث الرقابة محدودة والمساءلة السياسية ضئيلة.. ستكون النتيجة علاقة دفاعية أعمق وأقل شفافية في آن واحد.
منذ السنة المالية 2019، قدمت الولايات المتحدة 3.3 مليار دولار سنويًا لإسرائيل كمنح تمويل عسكري أجنبي، بالإضافة إلى خمسمائة مليون دولار سنويًا للتعاون في مجال الدفاع الصاروخي.. وقد وُجّه نحو 25% من هذه المنح إلى تمويل المشتريات الخارجية، المخصص لإسرائيل لإنفاقه محليًا على صناعتها الدفاعية ومعداتها العسكرية.. وبذلك، يُعدّ هذا دعمًا أمريكيًا للمجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي.
من المقرر أن ينتهي العمل بهذا النهج السابق، في إطار برنامج دعم المشاريع الخارجية OSP، مع انتهاء مذكرة التفاهم الحالية.. وقد حفز هذا الأمر مقترحات إسرائيلية للتخلص التدريجي من منح برنامج التمويل العسكري الأجنبي FMF، واستبدالها بعلاقة تتمحور حول التكامل الدفاعي الأمريكي ـ الإسرائيلي.. من شأن هذا أن يدمج الشركات الإسرائيلية والملكية الفكرية ذات الأصل الإسرائيلي، ضمن برامج البنتاجون الأوسع نطاقًا وعمليات الإنتاج.. وعلى عكس عملية المساعدات الخارجية، لن يخضع إطار المشتريات العسكرية للتدقيق السياسي من قبل الكونجرس ووزارة الخارجية، بل سيتم تقييمه بناءً على معايير بيروقراطية، مثل التكلفة والجاهزية والقدرة.. ومن المرجح أن يُبرر هذا التحول بإعادة صياغة الدعم الأمريكي ليس كمنحة لإسرائيل، بل كاستثمار في الجاهزية العسكرية الأمريكية والقدرة الصناعية وفرص العمل.
وفي وقتٍ ينبغي فيه التدقيق في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، في ضوء الإجراءات الإسرائيلية التي تتعارض مع المصالح الأمريكية، فإن مثل هذا التحول الهيكلي سيكون له نتائج عكسية.. ومع أن داخل المجتمع اليهودي الأمريكي، لا يزال الدعم لإسرائيل قويًا بشكل عام، إلا أن التفاوت العمري حقيقي ويتزايد بروزًا بالنسبة للمخططين السياسيين.. وقد أظهر تحليل أجرته مؤسسة بيو في أبريل 2024 لآراء اليهود الأمريكيين خلال حرب إسرائيل وحماس، أن اليهود الشباب يُبدون مواقف أقل إيجابية تجاه الإسرائيليين، وآراءً أكثر إيجابية تجاه الفلسطينيين، مقارنةً باليهود الأكبر سنًا.. وتُعدّ هذه الفروقات جوهرية، إذ يميل الشباب عادةً إلى أن يكونوا أكثر ليبرالية، وأكثر استعدادًا لتفسير السياسة الإسرائيلية من منظور مناهضة القومية العرقية، وحقوق الأقليات، والنشاط المناهض للاحتلال.. ويتفاعل هذا التحول في آراء الشباب مع توجه حزبي أوسع، حيث كان الشباب الأمريكيون والديمقراطيون أكثر ميلًا من كبار السن والجمهوريين إلى التشكيك في سلوك إسرائيل في غزة، ووصف السياسة الأمريكية بأنها متساهلة للغاية.
تُخلِّف هذه الضغوط طويلة الأمد، تداعيات سياسية فورية في دورة انتخابية تُهيمن عليها أجواء الحرب.. ففي الصراع الإيراني الراهن، عادت فكرة جرّ إسرائيل للولايات المتحدة إلى الحرب، أو التلاعب بها لتتصدر المشهد كخط هجوم على امتداد الطيف السياسي، ليس بالضرورة من قِبل المرشحين الرئيسيين، بل من قِبل شخصيات بارزة قريبة من التيار الحزبي السائد، مما يجعل هذه الفكرة مُعدية سياسيًا، (وفي بعض الحالات، تتحول إلى تلميحات معادية للسامية).. ورغم دحض كبار المسئولين لهذا الادعاء، فإن تحوّله إلى قضية جدلية، يُبرز مشكلة جوهرية: فالتصويت على المساعدات يُشكّل هدفًا بالغ الأهمية للنقاد، على عكس الإنفاق على المشتريات والقاعدة الصناعية.
هذا هو السياق السياسي الذي ظهرت فيه فكرة مذكرة التفاهم الإسرائيلية لمدة عشرين عامًا، لفترة وجيزة في أواخر عام 2025، كتجربة أولية لاختبار جدوى محاولة ترسيخ أداة مواتية في مواجهة الصدمات السياسية المتوقعة.، ثم سرعان ما اختفت من النقاش العام، حيث تحولت التقارير اللاحقة إلى إطار زمني أكثر تقليدية مدته عشر سنوات.. إن هذا الاختفاء بحد ذاته يكشف الكثير.. فهو يشير إلى أن التحدي الذي يواجه إسرائيل وحلفائها الأمريكيين، لا يكمن ببساطة في التفاوض على رقم معين، بل في حماية التزام يُنظر إلى قاعدته السياسية على أنها تتقلص.. ينبغي فهم إعادة صياغة هذه الآلية ـ أي الانتقال من المساعدات الظاهرة التي تحمل رمز صندوق التمويل الخارجي، إلى التعاون الذي تحمله وزارة الدفاع والذي يمكن تبريره على أنه يعزز جاهزية الولايات المتحدة، ومرونتها الصناعية، وإنتاجها المحلي ـ كوسيلة لجعل العلاقة أقل عرضة لأنواع الصدمات السياسية، التي باتت مرتبطة بشكل متوقع بالمساعدات الخارجية.
*
■■ والخلاصة..
من المرجح أن تُعاد صياغة العلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بعد عام 2028 لتقليل بروزها السياسي.. وقد يتلاشى التصويت السنوي على المساعدات، الذي يُعدّ من أكثر اللحظات إثارةً للجدل في نقاشات السياسة الخارجية الأمريكية المستقبلية، ليحل محله قرارات شراء لا تحظى باهتمام شعبي يُذكر، ولا بمعارضة منظمة تُذكر.. وسيتمكن المسئولون الإسرائيليون من الادعاء، بشكل رسمي ودقيق، بأن إسرائيل لم تعد تتلقى مساعدات أمريكية.. وسيتمكن المسئولون الأمريكيون من تبرير هذا الإنفاق، باعتباره استثمارًا في جاهزية الولايات المتحدة، وليس سخاءً لشريك أجنبي.
لا يُقلل أيٌّ من ذلك من حجم العلاقة.. قد تكون التدفقات المالية مساويةً أو أكبر من المستوى الحالي، وذلك تبعًا لحجم محافظ المشتريات وتطور عمليات الدعم اللوجستي.. سيتعمق الترابط الاستراتيجي، وستصبح الترابطات الصناعية أكثر صعوبةً وتكلفةً في فكّها.. أما الآليات التي كانت تُوفّر، وإن لم تكن مثالية، نفوذًا سياسيًا ومساءلةً دبلوماسية، فستُفكّك وتُستبدل بآلياتٍ تعمل وفق شروطٍ مختلفةٍ تمامًا.
وبالنسبة للمراقبين الساعين لفهم العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، فإنّ التداعيات العملية تكمن في المنهجية.. لم يعد التصويت على المساعدات هو المرجع المناسب. بدلًا من ذلك، ستُوجد البيانات الأساسية في ميزانية المشتريات، واستثمارات القاعدة الصناعية، ومشاريع الصيانة، واتفاقيات ترخيص الملكية الفكرية، وأحكام تقاسم العمل.. وستُتخذ القرارات المصيرية في هذه المجالات.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق