تحل اليوم الذكرى 14 رحيل المخرج المصري رضوان الكاشف، الذي غاب عن عالمنا في 5 يونيو 2002، تاركًا وراءه تجربة سينمائية استثنائية ما زالت تحتفظ ببريقها وتأثيرها في تاريخ السينما المصرية.
فعلى الرغم من رحيله المبكر، استطاع الكاشف أن يرسخ اسمه بوصفه أحد أبرز المخرجين الذين انحازوا إلى الإنسان البسيط، وحملوا على عاتقهم الدفاع عن قيم العدالة والحرية والحلم في مواجهة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها مصر خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.
بدأ الكاشف مشروعه الفني من قلب الواقع المصري، مؤمنًا بأن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة لطرح الأسئلة الكبرى ومساءلة الواقع.
وقد تجلى ذلك مبكرًا في فيلمه الروائي القصير "الجنوبية"، الذي قدمه مشروعًا للتخرج، وجعل من المرأة الصعيدية بطلة لحكاية تكشف القهر الاجتماعي والإنساني.
ثم أتبع ذلك بالفيلم التسجيلي "الحياة اليومية لبائع متجول"، قبل أن ينطلق إلى عالم السينما الروائية الطويلة بأفلام شكلت علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، من بينها "ليه يا بنفسج"، و"عرق البلح"، و"الساحر".
كان رضوان الكاشف، بحسب وصف الناقد الراحل جابر عصفور، "ابن ثورة الخبز". فقد انتمى إلى جيل تشكل وعيه في أجواء الحراك السياسي والطلابي في السبعينيات، وانخرط في التجمعات اليسارية التي كانت تدافع عن قيم العدالة الاجتماعية وترفض التحولات التي صاحبت سياسة الانفتاح الاقتصادي؛ لذلك انعكست هذه الخلفية الفكرية بوضوح على أعماله، التي لم تنفصل يومًا عن هموم الناس وأسئلتهم.
ويعد فيلم "عرق البلح" من أكثر أعماله تعبيرًا عن رؤيته الفنية والفكرية، فبعد رفع الفيلم من دور العرض بعد أيام قليلة من عرضه، كتب الكاشف عن الدافع الحقيقي وراء إنجازه، مشيرًا إلى ذلك الإحساس المؤلم الذي سيطر على جيل كامل، شعور بأن الوطن الذي عرفوه قد تبدل، وأن الأحلام الكبرى التي تربوا عليها تتعرض للتآكل أمام واقع جديد لم يكن في الحسبان.
لم يكن رضوان الكاشف مجرد مخرج سينمائي، بل كان صاحب رؤية شعرية وإنسانية خاصة، استطاع من خلالها أن يحول الشاشة إلى مساحة للتأمل في مصائر البشر وأحلامهم وانكساراتهم. وبعد أكثر من عقدين على رحيله، لا تزال أفلامه شاهدة على موهبة استثنائية آمنت بأن الفن يمكن أن يكون فعل مقاومة، وأن الحلم، مهما تعرض للهزيمة، يظل قادرًا على البقاء.

















0 تعليق