في اليوم الأول من عامه الثالث والتسعين خرج الرجل كعادته -التي لم تتوقف يوما تحت أي ظروف أو طارئ - ليمارس عمله الذي بدأه بشغف وحماس منذ يوم ميلاده، ولم يتوقف يوما عن العمل وعن العطاء. في جلسة استراحة جلس الشيخ يتنسم رائحة سنوات الكفاح الطويلة، وفي لحظة صدق مع بعض أحبابه تذكر ما حقق من نجاحات بصبر وثبات، وفي ذات الوقت اعترف بما ارتكب من هنات. اغرورقت عيناه بالدموع حين تذكر أن بعضا ممن حوله لم يقدروا له عظيم ما بذل طوال عمره المديد، وحين ظنوا في أدائه تراجعا بحثوا له عن بديل ليقوم بذات المهمة، لكنه ظل متماسكا محافظا على نفس وتيرة الأداء المعهودة إلى أن عاد رب العمل مقرا له بفضله ومعترفا بعظيم ما قدم.
وفي ذات اللحظة التي شعر فيها برد الكرامة والاعتراف بفضله قرر بإرادة ذاتية منه وبتحفيز من رب العمل أيضا أن يطور من إيقاعه وأن لا يستسلم لعامل السن، بل إنه عزم على أن يجعل من كل تلك السنوات الماضية من عمره وقودا ذاتيا وخبرة حياتية ومهارة مهنية تميزه عن غيره ممن يؤدون للسيد ذات الخدمات، وأخذ يبحث لنفسه عن دور متجدد فيما يعرف استراتيجيا بإعادة التموضع استعدادا لوثبة جديدة تحسب له. إلا أنه أدرك أن إمكانياته لم تعد تسعفه للقيام بتلك الوثبة، واستسلم مرحليا لظروف جعلت مجرد البقاء على قيد الحياة إنجازا في حد ذاته. لكن أبناءه وعدد آخر من المؤمنين به شجعوه وحفّزوه، وإذا به رغم هذا العمر الطويل يثب وثبة شاب قوي فتّي متمكن.
ووسط نشوة الفرحة بتجدد الآمال واتخاذ أول خطوة نحو الإنجاز رغم ندرة الإمكانيات، خرج أحدهم متسلحا بما يملك من صوت جهوري يدعمه مال وفير وخلفه غرض شخصي ومنفعة مليارية ليصيح في وجهه: "كفاك هذا العمر الطويل، دع عنك مشقة العمل واتركه لغيرك فهم أكثر مقدرة على العطاء لأنك ترهلت وقد نالت منك معاول الهدم لسنوات طوال تجاوزت عقدا كاملا من الزمان". لكن الناس من حولهما صاحوا فيه معترضين قائلين: "دعه يعمل، دعه يمر " فرد عليهم صاحب الهوى: "هذا العمل يحتاج إمكانيات وهذا المرور يتطلب لياقة لم يعد يملكها هذا التسعيني ". فرد عليه العقلاء بثقة: "إذن فلتمنحوه الإمكانيات التي تمكنه من النهوض، ثم لتحكموا عليه وعلى مدى قدرته على الاستمرار في حلبة الصراع ".
وهنا نطق الشيخ الكبير بعد فترة صمت طويلة، وتحدث بحكمة بالغة قائلا:" لا أريد كامل الإمكانيات، أعطوني فقط نصف ما تمنحون لغيري، ولكن قبل هذا خلصوني من أعباء وقيود كبلتموني بها على مدار عقود لم أكن متسببا فيها، وعوضوا كل أبنائي الذين تركوا الحلبة بحكم السن،وامنحوني بعض الحرية في أن أكون صاحب قراري ولا يمنع الأمر من متابعتي ومحاسبتي أولا بأول ليأتي الحساب النهائي في مرحلة قريبة عندما أتم المائة عام مثلا، وساعتها قرروا وأنتم مرتاحي الضمير هل أترك الساحة لغيري أم أواصل العمل بآليات حديثة وبأبناء جدد أكون قد أنجبتهم ومنحتهم من واسع خبراتي ليواصلوا هم المسيرة تحت مظلتي في قرن جديد من عمر أثق في أنه سيكون عمرا مديدا."
وبعد أيها القارئ العزيز، تلك هي حكاية كيان ماسبيرو العريق والذي أتم بالأمس عامه الثاني والتسعين، حيث احتفلت الإذاعة المصرية أمس الأحد بعيدها الثاني والتسعين وهو عمر كما تعلمون طويل جدًا. وكما تتابعون فإنه على طوله الزمني كان عمرا زاخرا وفاعلا ومؤثرا في محيطه المحلي والإقليمي بل والدولي أيضا. عمر أطال بقاءه إرادة الله وتوفيقه، ثم جهود آلاف من المخلصين والموهوبين الذين منحوه من فكرهم وجهدهم وموهبتهم جيلا بعد جيل، فمنحهم في المقابل تحققا ونجومية بل ومالا أيضًا، ما اغناهم عن سؤال لئيم أو تملق ذي سلطان أو خيانة أوطان، إلى أن تبدلت الأحوال فصار منسوبوه لا يكادون يجدون ما يقيم أودهم أو يترجم موهبتهم أو يروج لإبداعهم.
وفي سياق عطاء ماسبيرو للوطن حدث ولا حرج فيكفي مثلًا أن تذكر موقف المخرج الإذاعي محمود مرسي الفنان العملاق فيما بعد الذي ترك انجلترا دولة الاحتلال اعتراضا على عدوان 1956، وقبله الراحل الكريم فهمي عمر الذي منح الهواء للرئيس الراحل محمد أنور السادات يوم 23 يوليو ١٩٥٢ استجابة للرغبة الشعبية فكان أن تخلصت البلاد من الملكية وجاءت الجمهورية. ومر الوطن بفترة تحول وقيادة وزعامة مستحقة للمنطقة وكان الإعلام عموما وإذاعة صوت العرب تحديدا هي السلاح النافذ إلى العقول والقلوب والضمائر العربية، فكان للوطن ما أراد في إدارة مشروع قومي للتحرر.
وبعد انتكاسة الحُلم في 5 يونيو 67 نجح ماسبيرو في حشد الرأي العام من جديد خلف قيادته، ولكنه هذه المرة كان أكثر رشدا وعقلانية، فصار صوتا صادقا للمعركة التي طالت حتى تحقق النصر المبين في 6 أكتوبر 1973. ثم سجل التاريخ موقف الإذاعيين – صوتا وصورة - في يوم 30يونيو 2013 تجاوبا مع إرادة الجماهير، حتى تخلصوا من حكم "الجماعة " ليعود الوطن لكل أبناء مصر دون تمييز أو تحيز. وفي سجلات الإذاعة المصرية عشرات المواقف التي تشهد بوطنية كل منسوبي الإذاعة المصرية الوطنية بكل شبكاتها وخدماتها بمختلف اللغات، بل وشقيقه الأصغر التليفزيون "العربي " بكل برامجه وأغنياته ومسلسلاته.
أسماء كثيرة لم تكن مجرد أرقام في مسيرة تكاد تتجاوز أعمار دول تظن نفسها كبرى أو عظمى. أسماء أحبت المهنة وعشقت الوطن فأخلصت لكليهما وبادلها الوطن حبا بعطاء حفظ لهم كرامتهم ومكانتهم فكانت كلمتهم من أدمغتهم. إذ لم يكن لتاجر أراضي أو مقاول هدم أن يجرؤ على تهديد مكانتهم أو التلويح بمحو أثرهم، ولم يجرؤ جاهل أن يقلل من قيمة ما أعطى الآباء المؤسسين ثم الأبناء والأحفاد من علم وفن وفكر وإبداع، أو التقليل مما ترك من علامات مضيئة ومنارات فكرية ومواقف وطنية وتأثير بالغ في الخارج قبل الداخل.
و في مسيرة تكاملية يسعى "ماسبيرو "مع شقيقته "المتحدة" إلى إعلاء صوت مصر وصورتها وتصدير رؤيتها إلى مواطنيها أولا ثم إلى محيطيها الإقليمي والدولي، فدولة كبيرة بحجم مصر لا يمنع أبدا أن يحلق إعلامها بجناحين يساند أحدهما الآخر في مواجهة فضاءات وتكتلات وكيانات تتجاوز ميزانياتها موازنات دول. ومع إشراقات اليوم الأول من عامه الثالث والتسعين ينطلق "من ماسبيرو" صوت جديد يبث واقع الوطن وأحلام المواطن بضمير الإعلامي الوطني المخلص.


















0 تعليق