تمر امتنا العربية بأخطر المراحل التي تهدد أمنها وإستقرارها ووجودها بشكل عام ، تزداد حدة الصراعات وتتعرض دولًا وشعوبا عربية لخطر الابادة، أما ثروات العرب فباتت محط اطماع قوى الشر، الأحداث تتزايد والتحديات التي تواجه الأمة العربية تكثر، في هذا الوقت جاء الحدث العالمي الابرز وهو مونديال كرة القدم 2026 الذي نعتبره فرصة استثنائية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ليصبح مناسبة جامعة تعيد إحياء مشاعر الانتماء العربي المشترك وتمنح الشعوب العربية مساحة واسعة للالتقاء حول حلم واحد وراية واحدة.
فالمشاركة العربية المرتقبة في كأس العالم ليست مجرد حضور رياضي، بل هي مناسبة سياسية وثقافية وقومية عالمية يمكن من خلالها التأكيد أن ما يجمع العرب أكبر بكثير مما يفرقهم.
لقد أثمر قرار توسيع بطولة كأس العالم لكرة القدم إلى 48 منتخبًا عن إنجاز عربي غير مسبوق، بعدما نجحت ثمانية منتخبات عربية في حجز مقاعدها بين كبار العالم، لتتحول البطولة إلى أكبر حضور عربي في تاريخ كأس العالم.
فمن آسيا تأهلت الأردن والسعودية وقطر والعراق، ومن إفريقيا حضرت مصر والمغرب والجزائر وتونس، في مشهد يعكس التطور الذي تشهده الكرة العربية ويؤكد قدرة العرب على المنافسة عندما تتوافر الإرادة والتخطيط.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن في عدد المنتخبات المشاركة فحسب، بل في ما يتيحه من فرصة لصناعة حالة عربية جامعة تتجاوز الحدود الجغرافية، فكل منتخب عربي يخوض منافساته لا يمثل شعبه وحده، بل يحمل معه آمال ملايين العرب الذين يرون في نجاحه نجاحًا لهم جميعًا، وما ان يغادر منتخب عربي البطولة حتى تنتقل مشاعر الدعم تلقائيًا إلى المنتخب العربي المتبقي، في مشهد يتكرر منذ عقود ويعكس عمق الروابط الشعبية بين أبناء الأمة الواحدة.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن الجماهير العربية تمثل قوة استثنائية في المدرجات، فالهتافات القادمة من مختلف العواصم العربية قادرة على منح اللاعبين دفعة معنوية هائلة، كما حدث مع المنتخب المغربي في مونديال 2022 عندما تحول إلى ممثل للأمة العربية بأسرها، فحظي بدعم جماهيري تجاوز حدود المغرب ليشمل الخليج والمشرق ووادي النيل والمغرب العربي، في صورة وحدوية نادرة رصدتها كاميرات القنوات العالمية.
ومن المؤكد أن الرياضة تعد إحدى أنجح الوسائل القادرة على تقريب الشعوب وتجاوز الخلافات، ففي مناطق المشجعين والميادين العامة والمدرجات، تذوب الفوارق وتلتقي اللهجات والثقافات تحت مظلة الانتماء العربي المشترك، فيتبادل المشجع المصري الأعلام مع المشجع الجزائري، ويحتفل العراقي بفوز المنتخب التونسي، ويهتف السعودي للمغرب، لتولد صداقات وعلاقات إنسانية تعكس الوجه الحقيقي للعالم العربي بعيدًا عن الصور النمطية والخلافات العابرة.
كما يكتسب مونديال 2026 بعدًا خاصًا بفضل الوجود الكبير للجاليات العربية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فهذه الجاليات يجب ان تكون بمثابة العمق الاستراتيجي للمنتخبات العربية، ليس فقط من خلال الحضور الجماهيري الكثيف، بل أيضًا عبر تقديم الدعم اللوجستي والإرشادي للمشجعين القادمين من الوطن العربي، ووأن تتحول المدن المستضيفة إلى منصات للتعريف بالثقافة العربية وتراثها وتنوعها الحضاري، بما يعزز صورة العرب أمام شعوب العالم.
بطولة كأس العالم القادمة لا تمنح العرب فرصة للتنافس الرياضي فقط، بل يجب ان تمنحهم الفرصة لإرسال رسالة حضارية وإنسانية مفادها أن الأمة العربية رغم تنوعها الجغرافي والثقافي، الا انها أمة واحدة قادرة على الالتفاف حول أهداف ومشتركة ومكسب أى قطر عربي هو انتصار لباقي الاقطار العربية .
والتجارب السابقة اثبتت انه حين ترتفع الأعلام العربية في المدرجات، تتعالى معها الهتافات من المحيط إلى الخليج دعمًا لأي منتخب عربي، يصبح الانتصار أكبر من مجرد نتيجة في مباراة، ويتحول إلى انتصار للعرب جميعا.
ولعل السلاح الأقوى الذي تمتلكه المنتخبات العربية في مونديال 2026 ليس الخطط التكتيكية ولا المهارات الفردية للأعيبين فحسب، بل الدعم المتبادل والتضامن بين الجماهير العربية، فكلما اتسعت دائرة التضامن، ازدادت فرص النجاح، وأثبت العرب مجددًا أن وحدتهم، حتى في الرياضة، قادرة على صناعة الإنجازات وكتابة التاريخ.















0 تعليق